يُقال أنّ أفلاطون عندما أنشأ أكاديميّته كأوّل محاولة في هذا المجال في العالم الغربيّ، كتب على واجهتها “من لا يعرف الرياضيات محظور عليه أن يدخل هذه الأكاديمية” ، أعتقد لو أنّ المناهج الحديثة المطبقة في مجال التكوين الجامعي أخذت بنصيحته، لكان حالها أفضل اليوم، إذ لا بدّ في نظري من توفر الجامعيّ على قدر من الذكاء الرّياضي يؤهّله ليكون باحثًا أكثر منه متمدرسًا يتحصّل على شهادة في نهاية المطاف. فكّرت في هذا الأمر وقد لاحظت انسياق الكثير ممّن يُحسبون على الجامعة على تلك الضجات الإعلاميّة التي تغزو وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها باستمرار من قبيل اكتشاف مفاجئ لدواء مرض عضال أو اكتشاف محلول كيميائي جديد وما شابه ذلك، ومع كلّ ذلك التفاعل الرهيب لروّاد الجامعات مع مثل تلك الأخبار غير المؤسّسة دون تطبيق المنهج العلمي أو حتى تقصي الخبر ندرك أنّ العالم الإسلامي يعاني من مشكلة غياب نمط التفكير العلمي المؤهِّل للتّوصل لنتائج علميّة حقيقية.
الأمر الذي يطرح الكثير من التساؤلات حول طبيعة التكوين العلميّ الذي يحظى به الطلاّب الجامعيّون وحتى الأساتذة ومدى إسهامه في تكوين شخصيّتهم العلميّة بعيدًا عن النّمط التفكيري الذي تفرضه عليهم مجتمعاتهم بتقاليدها وعاداتها، فضلا عن الخطاب الإعلامي المفروض على المجتمع الذي أصبح يستغل غياب التفكير العلميّ من أجل تحقيق الأرباح من خلال نشر الأخبار العلمية الصادمة المفاجئة التي تحدث الضجة لأيّام على مواقع التواصل الاجتماعي. القضيّة لا علاقة لها بإنكار وجود الكفاءات في العالم الذي سمي اصطلاحًا بالعالم الثالث، لكن طبيعة الحراك العلمي العالمي المعاصر تتطلّب مسايرته قدرًا معيّنًا من توفر الإمكانات العلميّة والماديّة من تجهيزاتٍ ووسائل تساعد على البحث، وحتى الخلفية العلميّة المتينة ونتائج الأبحاث بتفصيلاتها لا تكون متوفرة غالبًا إلاّ في المراكز المتخصصة التي قضت سنوات في سبيل الوصول إلى نتائج من أجل حل مشكلة علميّة معقّدة؛ فالعلم ذو طبيعة تراكميّة يسير ضمن حركيّة عالميّة تتجاوز الحدود الجغرافيّة وكل نقطة نهاية في مكان ما هي انطلاقة في مكان آخر لخدمة البشرية في نهاية المطاف.
بالإضافة إلى مشكلة التفكير التي يُعاني منها المجتمع المسلم بالأساس، والتي لها علاقة لا محالة بطبيعة التكوين الجامعي الذي يريده الطالب لنفسه أو طبيعة العمل الجامعي الذي يريده الموظف في الجامعة، هناك مشكلة تزيد الوضع تأزّمًا هي غياب القراءة؛ فكثير من روّاد الجامعات ليس لأنّهم الأفضل بل لأنّهم الأكثر احتكاكا بمركز للإشعاع العلمي والفكريّ لا يقرأون في مجالات مختلفة ما يسهم في قلّة الاطلاع على طبيعة الحراك العلمي العالمي الذي يؤدي إلى عدم اكتسابهم لنمط التفكير العلميّ، كما أنّ القراءة تعمّق من حدّة ذكاء الفرد وتكسبه نوعًا من التحليل المنطقي وتبقيه دومًا على اطلاع بالجديد في حين تخرّجه من الجامعة؛ ” فالثقافة هي كل ما يبقى عندما ينسى الإنسان ما تعلمه في المدرسة “، إينشتاين.
عندما تتحوّل وسائل الإعلام إلى مصدر للمعلومة الفكريّة أو العلميّة، خاصة في العالم المسمّى اصطلاحًا بالعالم الثالث، فلا بدّ من دقّ ناقوس الخطر، لأنّ أغلب المقالات الواردة غير مؤسّسة علميّا وفي ظل غياب القارئ المتفحّص، تؤثر تلك الأخبار على الجمهور العام الذي لا يستقي المعلومة العلميّة أو الفكرية من مصادرها المباشرة سواء من الكتب أو المجلاّت العلميّة المحترمة ما يساهم في نظرتهم للعالم بشكل خاطئ؛ ” فالذي لا يقرأ لا يرى الحياة بشكل جيّد”، محمد الرّطيّان. وسائل الإعلام غير المتخصصة لا يمكن قطعًا أن تتحوّل لمصدر للمعلومة العلميّة والفكريّة خاصة في غياب الاحترافيّة في التعامل مع الخبر العلمي ومعاملته كأنّه خبر عادي يُحدث ضجّةً في المجتمع ويساهم في رفع عدد المقبلين على اقتناء أو مشاهدة تلك الوسيلة الإعلاميّة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *